فوزي آل سيف
33
من قصة الديانات والرسل
فما دام يعرف أسباب هذه الظواهر ووقت حدوثها فلا معنى لأن يصلي صلاة الآيات لأجل هذه الحوادث كما يفعل المسلمون؟ لذلك استغنى الإنسان - كما يقول هؤلاء - عن الحاجة إلى الدِّين في تفسير مظاهر الطبيعة، وما يترتب على ذلك الجهل من الحاجة إلى الغيب والعبادة للمجهول. ويقولون إنه كلما زادت معرفة الإنسان بعالَم الطَّبيعة والأسباب والعلل المتحكمة فيه، اتّجه باتّجاه العلم وترك الدين. فهو إذا كان يعرف خمسين بالمائة من الأسباب ويجهل خمسين بالمائة يكون متدينًا بهذا المقدار، وأما لو عرف أكثر الأسباب فإنَّه يترك الدين! جواب المؤمنين حول ضرورة الإيمان: للمتدينين المؤمنين: وهم كما ذكرنا أعم من خصوص المسلمين، فيشمل الحديث عنهم عموم من يتدين بدينٍ إلهي، مسيحيين كانوا أو يهودًا أو مسلمين.. جوابان: الأول: ما يعبر عنه بالجواب النقضي. والجواب النقضي يراد منه تخريب ونقض كلام الطَّرَف الثاني فحسب.. بشكل من أشكال التخريب. مثلما لو قال أحدهم: أهل هذه البلدة مؤمنون، فلا تحتاج لكي تثبت خطأ كلامه سوى أن تريه شخصًا واحدًا غير مؤمن منها، وبهذا تنهي نظريَّته. ضمن هذا الجواب النقضي يردّ المؤمنون وأتباع الديانات على هذه النظرية بالقول؛ إن مقتضى كلامكم: بأنه كلما تقدّم الإنسان في العلم ترك الإيمان والدين، أن يكون عدد المتدينين والمؤمنين يتناقص ويقل عما كان عليه في الأزمنة الماضية! والحال أن هذا مخالف للوجدان والواقع! إنكم تقولون إنه مع ظهور الثورة العلمية مع بدايات سنة 1600 م فصاعدًا، والتوجه نحو العلم قفز المجتمع البشري قفزات هائلة في معرفة الطبيعة وأسرارها، والحوادث الكونية وعواملها ولا يزال يتطور في هذا الاتجاه.. وهذا يقتضي بحسب كلامكم أن يكون هناك تراجع في عدد المؤمنين والمتدينين في العالم، ونموٌّ في اتجاه المنكرين للإيمان والمستغنين عن الدين.. بينما تقول الإحصائيات إنّ العالم اليوم الذي يقترب من 8 مليارات نسمة، لا يوجد بينهم سوى 16% منهم غير متدينين، بين (ملحد)[98]و(لا أدري)، ويعني ذلك أن 84% من البشر يستشعرون الحاجة إلى الدين ويصنفون على توجه الإيمان (بغض النظر عن التزامهم الديني الفعلي الصارم). هذا بالرغم من العوامل الكثيرة التي تدعو للتخلي عن الدين، من غلبة الشهوات النفسية، ومن الأحزاب الالحادية، والاتجاهات العبثية، والضغوط السياسية وغيرها! إن مثل هذه الاحصائيات سواء كانت دقيقة جدًا أو كانت تقريبية تنقض ما سبق للقائلين بعدم الحاجة للدين نظريتهم.. فإنه على حسب نظريتهم مادام الناس قد خرجوا من عصر الدين إلى عصر العلم فلم يبق إلا نِسَب بسيطة من المتدينين مع كل هذا التقدم العلمي الحاصل، خصوصًا وقد مر على دخول البشر عصر العلم حوالي أربعة قرون من الزمان. هذا الجهة الاحصائية تنقض نظريتهم بالكامل. هذا من الناحية الكمية. وكذلك يُنقض كلامُهم ونظريتُهم من الناحية الكيفيَّة: إذ من المفروض بناء على كلماتهم أنه كلما زاد الإنسان علمًا ازداد إلحادًا وبعدًا عن الدين، لكننا نجد عكس ذلك تمامًا، وهذا ملحوظ في الأمم المختلفة، فإننا نرى في المسيحيين مئات الألوف من العلماء وأصحاب الكفاءات وهم يعتقدون بالدين ويستشعرون الحاجة للإيمان. والأمر كذلك ـ بل أوضح ـ في الأمة الإسلامية
--> 98 يفرقون بين الاصطلاحين، بأن الالحاد هو الكفر بالإله والاعتقاد بعدم وجوده فالملحد ينفي وجود الله، بينما اللا أدرية كما يتبين ن نفس اللفظ هو عدم الكفر وعدم الايمان بالله، وعدم اختيار قرار مع أو ضد وجود الله. فهو لا يدري هل هناك إله أو لا يوجد ويرى أن الأمر لا سبيل إلى معرفته، فهو لا مؤمن بالله ولا كافر به! واللاأدرية هو عدم اختيار قرار مع أو ضد وجود الله.